سُلطان بن خلفان اليحيائي
قبل أن أبدأ.. لستُ من حملة الشهادات العُليا في الاقتصاد ولا أدّعي تخصصًا في الاستثمار أو التخطيط المالي، لكنني متابع حريص ومواطن يعيش تفاصيل المشهد ويراقب نقاشات اقتصادنا الوطني. أكتب هذه السطور لا كتقرير فني، بل قراءة واعية وتساؤلات مسؤولة نابعة من حرص صادق على عُمان ومستقبلها.
والاقتصاد العُماني اليوم ليس في أزمة وجود، لكنه أمام اختبار سرعة. المؤشرات الإيجابية تُعلَن والتصنيفات الائتمانية تحسّنت والعجز انخفض والدين العام تراجع نسبيًا. هذا وجه الصورة.
لكن الوجه الآخر يسأل: هل تحوّل التحسّن المالي إلى ازدهار استثماري واسع؟ هل استثمرنا بنيتنا الأساسية بكامل طاقتها؟ وهل خطواتنا كافية في سباق إقليمي لا ينتظر المتأخرين؟
السؤال ليس تشكيكًا؛ بل مسؤولية. فالاقتصاد لا يُدار بالتصفيق؛ بل بالنتائج على الأرض.
لدينا موانئ ومطارات وشبكة طرق واسعة ومناطق حرة وصناعية. هذه عناصر قوة حقيقية، لكنها لا تكفي إن لم تُدر بكفاءة عالية. الميناء بلا حركة عبء، والمنطقة الصناعية بلا صناعات تحويلية أرقام جامدة، والطريق بلا نشاط اقتصادي مجرد إسفلت. التحدي لم يعد في البناء؛ بل في التشغيل. والأصل غير المنتج عبء، والأصل المنتج قوة.
التصريحات تتحدث عن تنويع اقتصادي وتمكين القطاع الخاص وجذب الاستثمار الأجنبي، وهي أهداف صحيحة. لكن المستثمر ورجل الأعمال وصاحب المؤسسة الصغيرة وحتى الباحث عن فرصة عمل يقرؤون الإجراءات قبل التصريحات. يسألون عن سرعة الترخيص ووضوح الأنظمة واستقرار القرارات وكفاءة القضاء التجاري وتكلفة التمويل. إذا طال الانتظار وخفّ وضوح المسار تراجع الحماس. فالاستثمار سريع الحركة ولا يحتمل التردد أو المناطق الرمادية.
نعم هناك تقدم في إدارة المالية العامة والانضباط وإعادة الهيكلة. لكن السؤال الأهم: هل نصنع قفزة نوعية أم نتحرك بحذر مُبالَغ فيه؟ منطقتنا تُعدّل تشريعاتها بسرعة وتطلق حوافز جريئة وتبني شراكات واسعة. الحساب مطلوب، لكن الإفراط في الحذر قد يُفوّت الفرص.
وبالنظر إلى المعوقات فهي ليست دائمًا في نقص المال. غالبًا تكمن في بطء الإجراءات وتضارب الصلاحيات وصعوبة التمويل وضعف الربط بين التعليم وسوق العمل. أحيانًا يكون التحدي في ثقافة القرار نفسها، في الميل إلى التأجيل بدل الحسم، وفي الخوف من التجربة بدل إدارة المخاطر الاقتصاد لا يحب التردد.
أما الجدل الاقتصادي في عُمان فهو حاضر دائمًا، وهذا طبيعي لأن التحولات تمس دخل الناس وفرصهم واستقرارهم. لكن المواطن العادي والتاجر والمستثمر والموظف الباحث عن استقرار وظيفي لا يريدون نقاشًا دائريًا يستهلك الوقت. يريدون حلولًا عملية تُسهّل الإجراءات وتخفف المعاناة اليومية. الحوار المفيد هو الذي يتحول إلى قرار ملموس وأثر واضح.
وفي هذا السياق يبرز برنامج “معًا نتقدم” في نسخته الرابعة منصةً للحوار المباشر بين الحكومة والمجتمع. إيجابيته تكمن في فتح قنوات الاستماع وعرض الرؤى بشفافية وإتاحة مساحة لطرح الأسئلة أمام متخذي القرار. غير أن القيمة الحقيقية لأي منصة حوارية لا تُقاس بعدد الجلسات، بل بمدى انعكاس مخرجاتها على السياسات والأنظمة. فإذا ارتبطت التوصيات بآليات تنفيذ واضحة ومؤشرات أداء معلنة أصبح الحوار قوة دفع حقيقية. أما إذا بقي في إطار الطرح دون متابعة، نخشى أن تضعف جدواه مع الوقت. الرهان ليس على الفكرة؛ بل على التطبيق والاستمرارية.
الجميع يتفق على أن عُمان تملك كفاءات وطنية متميزة، لكنها تحتاج إلى توسيع دائرة التفكير الاقتصادي وتمكين العقول الشابة والاستفادة من الخبرات العالمية دون حساسية. المعادلة ليست الداخل أو الخارج، بل تكامل بينهما. كما أن الحوكمة ليست نصوصًا مكتوبة؛ بل ممارسة يومية؛ فالمختصون في هذا المجال يطالبون بالشفافية ونشر البيانات ووضوح مؤشرات الأداء وتقييم المشاريع بعد تنفيذها لمعرفة ما نجح وما تعثر. التقدم لا يعني غياب الخطأ بل سرعة اكتشافه وتصحيحه وربط النتائج بالمحاسبة.
ما نحتاجه اليوم واضح: تسريع القرار الاقتصادي وتبسيط اللوائح وتفعيل النافذة الواحدة بفاعلية وتمكين القطاع الخاص بجرأة وإشراكه في المشاريع الكبرى وتوفير بيانات واضحة ليبني المستثمر قراره على معرفة لا تخمين. كما نحتاج إلى ترتيب الأولويات. فليس كل مشروع كبير ضرورة عاجلة، ولا كل إنفاق استثماري منتجًا بالضرورة.
الدراسات الاقتصادية والتجارب العالمية تؤكد أن المال وحده لا يصنع اقتصادًا، والبنية وحدها لا تصنع ازدهارًا، والتصريحات وحدها لا تصنع تحولًا. التحول تصنعه القرارات الشجاعة والعقول المتنوعة والعمل الذي يُقاس أثره.
عُمان تملك الأساس والاستقرار والموقع والإرادة. ولسنا في تراجع، لكننا في سباق.
وعُمان قادرة، لكن القدرة تحتاج إلى حركة أسرع وخطوات أوسع وإيمان بأن القادم لا يُنتظر؛ بل يُصنع.
